فخر الدين الرازي
208
تفسير الرازي
ثبوت تلك الصفة أو علة سلبها ، والموقوف على الغير ممكن لذاته فواجب الوجود لذاته ممكن الوجود لذاته ، وهذا خلف ، فثبت أنه سبحانه غير مفتقر لا في ذاته ، ولا في شيء من صفاته السلبية ولا الثبوتية إلى غيره ، وأما أن كل ما عداه مفتقر إليه فلأن كل ما عداه ممكن ، لأن واجب الوجود لا يكون أكثر من واحد والممكن لا بد له من مؤثر ، ولا واجب إلا هذا الواحد فإذن كل ما عداه فهو مفتقر إليه سواء كان جوهراً أو عرضاً ، وسواء كان الجوهر روحانياً أو جسمانياً ، وذهب جمع من العقلاء إلى أن تأثير واجب الوجود في إعطاء الوجود لا في الماهيات فواجب الوجود يجعل السواد موجوداً ، أما أنه يستحيل أن يجعل السواد سواداً ، قالوا : لأنه لو كان كون السواد سواداً بالفاعل ، لكان يلزم من فرض عدم ذلك الفاعل أن لا يبقى السواد سواداً وهذا محال ، فيقال لهم يلزمكم على هذا التقدير أن لا يكون الوجود أيضاً بالفاعل ، وإلا لزم من فرض عدم ذلك الفاعل أن لا يكون الوجود وجوداً ، فإن قالوا : تأثير الفاعل ليس في الوجود بل في جعل الماهية موصوفة بالوجود ، قلنا : هذا مدفوع من وجهين الأول : أن موصوفية الماهية بالوجود ليس أمراً ثبوتياً ، إذ لو كان أمراً ثبوتياً لكانت له ماهية ووجود ، فحينئذ تكون موصوفية تلك الماهية بالوجود زائدة عليه ولزم التسلسل وهو محال ، وإذا كان موصوفية الماهية بالوجوه ليس أمراً ثبوتياً ، استحال أن يقال : لا تأثير للفاعل في الماهية ولا في الوجود بل تأثيره في موصوفية الماهية بالوجود الثاني : أن بتقدير أن تكون تلك الموصوفية أمراً ثبوتياً ، استحال أيضاً جعلها أثراً للفاعل ، وإلا لزم عند فرض عدم ذلك الفاعل أن تبقى الموصوفية موصوفية ، فظهر أن الشبهة التي ذكروها لو تمت واستقرت يلزم نفي التأثير والمؤثر أصلاً ، بل كما أن الماهيات إنما صارت موجودة بتأثير واجب الوجود ، فكذا أيضاً الماهيات إنما صارت ماهيات بتأثير واجب الوجود ، وإذا لاحت هذه الحقائق ظهر بالبرهان العقلي صدق قوله تعالى : * ( له ملك السماوات والأرض ) * بل ملك السماوات والأرض بالنسبة إلى كمال ملكه أقل من الذرة ، بل لا نسبة له إلى كمال ملكه أصلاً ، لأن ملك السماوات والأرض ملك متناه ، وكمال ملكه غير متناه ، والمتناهي لا نسبة له البتة إلى غير المتناهي ، لكنه سبحانه وتعالى ذكر ملك السماوات والأرض لأنه شيء مشاهد محسوس ، وأكثر الخلق عقولهم ضعيفة قلما يمكنهم الترقي من المحسوس إلى المعقول . ثم إنه سبحانه لما ذكر من دلائل الآفاق ملك السماوات والأرض ذكر بعده دلائل الأنفس فقال : * ( يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير ) * وفيه مسألتان : المسألة الأولى : ذكر المفسرون فيه وجهين أحدهما : يحيي الأموات للبعث ، ويميت الأحياء في الدنيا والثاني : قال الزجاج : يحيي النطف فيجعلها أشخاصاً عقلاء فاهمين ناطقين ، ويميت